بسم الله الرحمن الرحيم

عــودة إلى فهرس الموضوعات

مقدمة

العلوم العربية كثيرة متنوعة ، وهى اثنا عشر علماً ، بعضها أصول ، وبعضها فروع تستمد من تلك الأصول . وجميعها يتوصل بها إلى عصمة اللسان ، والاحتزاز من الخلل فى كلام العرب .

والذى له حق التقدم من هذه العلوم هو " النحو " إذ به يتوصلا إلى تقويم اللسان وصواب الكلام ، وحسن أداء المعانى ، وفهم سائر العلوم . " ولولا النحو - كما يقول بن خلدون- لجهل أصل الإفادة  وعلم النحو أهم من اللغة ، إذ فى جهله الإخلال بالتفاهم جملة " .

 

والنحو والصرف علمان ، كل واحد منهما صنو صاحبه . وقد نشأ النحو فى البصرة منذ أواسط القرن الأول الهجرى ، وبدأ نشاط النحويين فيه منذ عهد أبى الأسود الدولى المتوفى سنة 69هـ ، ومحاولته وضع النحو ، فكان عمله هذا باكورةً ، تعهدها النحاة من بعده من أمثال يحى بن يعمر ونصر عاصم وعيسى بن عمر صاحب الكتابين ( الإكمال والجامع ) .

ولكل واحد من هؤلاء جهده وفضله وكان عماهم موصول السبب بعمل أبى الأسود.

ولكن آثار هؤلاء العلماء قد فقدت جميعها وضاعت فيما طواه التاريخ يشير إلى ذلك قول الخليل بن أحمد .

بطل النحو جميـعاً كله                       غير ما أحدث عيسى بن عمر

ذاك إكمال وهذا جامع                 وهمـــا للناس شمس وقمر

ومعنى بطلان النحو : ذهابه وضياعه وما سبق الكتابين من مسائل النحو لم يعثر عليها أحد .

وكذلك ما أحدثه عيسى بن عمر من تصنيف ( الإكمال والجامع ) قد ذهب وضاع الكتابين معا . كما يقول بن النديم : ( ولم يقع إلى أحد علمناه ولاخبر أحد أنه رآهما ) . الفهرست 63 .

فى هذا القرن الثانى ظهر نابغة العرب ومخترع ومبتكر المعجمات الخليل بن أحمد الفراهيدى الأزدى البصرى ( صاحب كتاب العين ) .

ولد الخليل سنة 100 وتوفى سنة 170 هـ . وقد أخذ الخليل عن عيسى بن عمر ومبلغ اليقين أنه أنتفع بتراث عيسى وما أحدثه فجعل هذا العلم غاية فى علم النحو : ( أصوله ومسائله وتعليلاته ) .فجعل هذا العلم مضبوطا ولقن ذلك كله تلميذه سيبويه وكان من أبرع تلامذة الخليل وأوثق منة حمل عنه فكان هذا ( الكتاب )النفيس الذى صنفه سيبويه وهو أول كتاب جامع فى علم النحو واشتهر أمر (الكتاب ) وظهر النحو فيه مكتملاً قد بلغ أشده وأعجب به النحاة على اختلاف مذاهبهم وعدوه أصل كل كتاب فى علم النحو .

***

وإذا كان النحو قد بلغ غايته فى كتاب سيبويه فإن الصرف وهو صنوالنحو ظل كما هو دون أن تجمع مسائله أو تدون مباحثه فى كتاب على حدة .

فإلى أن ظهر كتاب سيبويه لا نجد كتاباً واحداً قد دون فى علم الصرف وإنما الصرف يمضى مندرجاً مع النحو كجزء منه غير منفصل عنه ويجمعهما معاً اسم النحو .

ذلك ما نجه واضحاً فى كتاب سيبويه فهو إذا كان قد عنى بالنحو فإنه مع ذلك لم يهمل مسائل الصرف ومباحثه بل ذكر أكثرها مع قواعد النحو وهذه المباحث والمسائل نراها منثورة متفرقة فى ثنايا الكتاب وينتظم الجزء الرابع منه أكثر قواعد الصرف .

 

فإذا كان القرن الثالث الهجرى رأينا أول كتاب يوضع مستقلاً فى علم الصرف وأجمع مصنف فى قواعد هذا العلم ومسائله .

وهذا المصنف هو كتاب ( التصريف ) لإمام العربية فى عصره عثمان المازنى النحوى البصرى المتوفى سنه 247 هـ يقول عنه حاجى خليفة : (وأول من دون علم التصريف أبو عثمان المازنى وكان قبل ذلك مندرجاً فى علم النحو).

وتدور مباحث علم الصرف فى هذا الكتاب حول موضوعين :

الموضوع الأول - أبنية الكلمات ( الأفعال والأسماء والصفات ) .

الموضوع الثانى حروف هذه الكلمات وما فيها من أصل وزيادة وحركة وسكون وقلب وإبدال وصحة وإعلال  وغير ذلك .

وبهذا الصنيع أصبح الصرف كتاباً مستقلاً . وعد كتاب المازنى نظيراً لكتاب سيبويه فى أن كلاً منهما أصل فى عمله هذا فى النحو وذلك فى التصريف .

 

ونال هذا الكتاب حظه من التقدير وأعجب به العلماء كما أعجبوا بكتاب سيبويه.

من هؤلاء أمام العربية فى عصره أبو الفتح بن جنى المتوفى سنه 392 هـ.فقد عكف على دراسة كتاب         التصريف دراسة تحقيق وتمحيص وشرحه شرحاً وافياً وسماه ( المنصف ) .

والمنصف بين أيدينا الآن كتاب حافل باللغة والصرف زاخر بالفرائد والفوائد وقد قام على تحقيقة عالمان جليلان هما الأستاذان إبراهيم مصطفى وعبد الله أمين .

وتمضى القرون وتمر الحقب وجهود العلماء فى علم الصرف موصولة متتابعة فتؤلف فبه الكتب ويدون كما يدون غيره من العلوم .وهذا التدوين إما كتب مستقلة كما رأينا فى كتاب التصريف للمازنى ،وشذا العرب فى فن الصرف للشيخ أحمد الحملاوى ،وإما أن يدون الصرف مع النحو ويجعل تالياً لأبواب النحو كما فعل بن مالك فى الألفية وفى كتابه " التسهيل " فجعا له باباً مستقلاً هو ( باب التصريف ).

وكذلك فعل الزمخشرى فى الفصل وابن يعيش فى شرحه له حيث انتظم الجزء العاشر من الشرح جل مباحث علم التصريف وقواعده .

ومثل ذلك كتاب ( همع الهوامع شرح جمع الجوامع ) حيث جعل الإمام السيوطى ( الكتاب السابع فى التصريف وذلك فى الصفحات من 212 - 242 من الجزء الثانى ) .

وبعد

فقد صرفت جهدى لأشتق هذا الجدول الصغير من من مناهل علم الصرف وهو جهد - لاشك - يسير .

وقد توخيت فيه توضيح قواعده توضيحاً وافياً ليكون الكتاب أبين للخاطر وأوضح للناظر .

ودعوت الله سبحانه أن ينفع به وأن يجعل عملى هذا خالصاً لوجعه مدنياً من رضاه .

والحمد لله رب العالمين

27 من المحرم 1406 هـ

12 أكتوبر 1985

حــامد عبدالمجيد

عــودة إلى الصفحــة الرئيســية