732 - 808 هـ1331 - 1405 م
وأسباباً ، وسلكت في ترتيبه وتبويبه مسلكاً غريباً
واخترعته من بين المناص مذهباً
عجيباً وطريقة مبتدعة "
ابن خلدون
ابن
خلدون هو وليّ الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن محمد ... ابن خالد بن
الخطاب ، ولد في تونس ( غرة رمضان 732 هـ-27/5/1332 م ) وتلقى ابن خلدون علومه على
أبيه وعلى نفرٍ من علماء تونس والعلماء الواردين إليها فحفظ القرآن
العظيم وتفسيره والحديث والفقه واللغة والنحو ثم توسع في الأدب والمنطق
وعلوم الفلسفة .
وفي
سنة 748 هـ ( 1347م ) التحق ابن خلدون بحاشية أبي الحسن المرينيّ سلطان مراكش ،
ولكن أول عهده بمراتب الدولة فعلاً كان سنة 752 هـ ( 1351م ) ، فقد تولّى "
كتابة العلامة " ( ديوان الرسائل ) لأبي محمد بن تافراكين المستبدّ على
الدولة يومئذٍ بتونس . ثم أنه وُصف لأبي عِنان صاحب فاس ، وكان يجمع
العلماء في بلاطه ، فاستقدمه سنة 755 هـ ثم استخدمه في آخر سنة 756 هـ ( آخر 1355م
) .
وتقلّب
ابن خلدون في البلاد فكان عند بني مَرين في فاس ( 760هـ - 1359م ) ، وعند بني عبد
الواد في تِلْمِسان ( 763 هـ ) ثم عند بني الأحمر في غرناطة الأندلس ( 764 هـ ) ،
فأرسله بنو الأحمر في سفارة إلى بطره ملك قشتالة ( بطرس الرابع القاسي
الأسباني ) لإتمام عقد الصُلح بينه وبين ملوك المغرب .
ثم
إنه انتقل إلى المغرب ، ولمّا سئم التَطْواف والمناصب وخاف عواقب السياسة
آثر الاعتزال في قلعة سلامة ، شرق تلمسان ، فمكث عند بني العريف أربع سنوات
وبدأ بتأليف كتابه في التاريخ ، ولكنه احتاج إلى مواد لكتابه لم تكن
متيسرة في قلعة سلامة فعاد إلى تونس ( 780هـ - 378 م ) .
وفي
سنة 784 هـ ( 1382م ) سار ابن خلدون إلى الحجّ ، فلما وصل إلى مصْر عُرض عليه
القضاء على المذهب المالكيّ فقَبِله فتأخر ذهابه إلى الحج حتى سنة 789 هـ ،
وعاد من الحج إلى القاهرة وانقطع فيها للتدريس حيناً ثم عاد إلى توليّ
القضاء ( 801 هـ - 1399 م ) .
ولما
غزا تيْمورلنْك سورية ذهب الملك الناصر فَرَجُ ابن الملك الظاهر بَرقوق
إلى دمشق ليُفاوض تيمور واصطحب نفراً من العلماء فيهم ابن خلدون . ثم سمع
الناصر فرج بمؤامرة عليه في مصر فاضطر إلى العودة ، فحمل ابن خلدون تبِعَة
الحال وذهب سِراً على رأس وفد لمفاوضة تيمور في الصلح وألقى بين يديه خطبة
نفسية ، فأكرمه تيمور عليها وأعاده إلى مصر . وتولّى ابن خلدون القضاء بمصر
بعد ذلك مراراً ، ثم وافاه اليقين بالقاهرة في 25 رمضان 808 هـ ( 15 آذار مارس
1406 م ) ([1])
.
هذه حياة ابن خلدون عرضناها لنستخلص منها :
1.
أنه عربي الأصل ، عريق النسب ، له ولأسرته
في وظائف الرئاسة ، والإدارة نصيب ، مما دفع ابن خلدون لميادين المغامرات
يصول فيها و يجول ، حرصاً على مجد موروث ، وتحقيقا لآمال عريضة .
2.
هذه المغامرات التي خاض ابن خلدون
معاركها ، حدت ذهنه ، ووسعت آفاته ، ونمت تجاربه وأعانته على الترجمة
الصادقة للحوادث ، وتحليل أسبابها ، ودوافعها ، ورصد حركاتها ، وربط بعضا
ببعض ، ومناقشة الأهداف أن تحققت ، ومعوقات فشلها إن فشلت .
3.
وهذه المغامرات أيضا ، زادت صلابة ،
وعناداً ، وشجاعة نفس جرأة في إبداء الرأي ، وهى صفات تصقل المواهب ، وتغرس
الثقة ، وتعود المثابرة والصبر ، وهى صفات ألزم تكون للمؤرخ.
4.
وهذه الحياة الخصبة التي عاشها ابن خلدون
بين مشرق ومغرب ، أطلعته على كثير من صور الحياة الاجتماعية في الدول
المختلفة ، وأمدته بمفاهيم جديدة ، ساعدته على التصور السليم للمواقع
والحوادث .
5.
استعان على كتابة التاريخ بالمشاهدة ،
وعلى التعليل للحوادث بالممارسة .
6.
نال من التعليم على يد خير الأساتذة
. حظ وافرا من المعرفة ، واطلع في تونس ، والأندلس ، ومصر ، على أضخم
المراجع العلمية التي لا تتاح لكثيرين .
7.
لم تكن حياته ـ كما رأينا ـ صراعا كلها ـ
وإنما سادتها فترات من الراحة النفسية ، والاستقرار الحياتي ، يسرت له سبل
التفكير الهادئ ، والتأمل العميق ، فحصل واستوعب ، ثم ألف .
8.
ربع قرن في المغرب بين حل وترحال ، وصعود
وهبوط ، وحرية وسجن ، وثورة وهدوء وربع وقرن في
مصر يقوم بالتدريس ، ويتولى القضاء ، ويسفر بين الحاكمين ، ويرتاد ميادين
القتال ، عمرطويل ، وحياة خصبة أكسبته التجربة السليمة ، والرؤية
الواضحة ، والآفاق الواسعة ، والجوانب المتعددة ، والأحكام المؤسسة
على أمتن الأسس ، ومن كل بعد أولئك الاحترام والتقدير .
9.
واغترب عن الأهل الوطن ، ثم فقط صفوة
الأحبة ، فأزكت آلامه ، وأوجعت نفسه فتنبهت الأحاسيس ، التبهت المشاعر ،
واشتدت المعاناة ، فإذ أتكلم عن التربية ،
ومحورها الفرد في مجتمعه ، صدق حسبه ، وأصابت نظرياته .
10. اجتمعت
ابن خلدون خصال ثلاث : التجربة ، العلم ، والذكاء ، فكانت له سندا قويا
عندما تصدى للتأليف في العمران البشرى ، والاجتماع الإنسان ، وبيان ما
يلحق من العوارض . والأحوال لذاته وذلك موضوع مقدمة ابن خلدون .
ويهمنا
من مقدمته . آراؤه التربوية فيها : وتراها في الفصل السادس من هذه المقدمة (
ستة فصول ) ([2]) .
1 -
العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران ، وتعظم الحضارة (( ونحن لهذا العهد ،
نرى أن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر ، لأن عمرانها مستبحر
، وحضارتها مستحكمة ، من آلاف السنين )) .
2 ـ
اختلاف العناية بمواد الدارسة ، باختلاف الأمصار . (( فأما أهل المغرب ،
فمذهبهم الاقتصار على تعليم القرآن ، وأخذ الأبناء أثناء المدارسة بالرسم
ومسائله ، واختلاف حملة القران فيه ، لا يخلطون ذلك بسواه من حديث أو فقه ،
أو شعر أو نثر ، إلى أن يحذق الصبي فيه ، أو ينقطع دونه ، فيكون انقطاعه في
الغالب ، انقطاعا عن العلم بالجملة ، فهم لذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه
من سواهم ، ولكن التزامهم تلك الخطة ، أورثهم قصوراً في حسن البيان ، فكان
حظهم الجمود في العبارات ، وقلة التصرف في الكلام . وأما أهل الأندلس فلم
يحيطوا القرآن وعلومه بعنايتهم ، وإنما أخذوا أولادهم من أول العمر ،
بكثرة رواية الشعر ، وبالتدريب على الترسل ، وبمدارسة العربية ، وحفظ
قوانينها ، وبتجويد الخط والكتابة ، فبرزوا فيهما . وهذا الــتفنن في
التعليم ملكة صاروا بها أعرف في اللسان العربي وأبرع في خط ، وأدب ، على
حسب ما يكون التعليم الثاني بعد تعليم الصبا ، ولكنهم قصروا في سائر
العلوم ، لبعدهم عن مدارسة القرآن والحديث ، التي هي أصل العلوم وأساسها .
وأما أهل المشرق فكانوا يعنون بدراسة القرآن وصنوف العلم وقوانينه ، ولم
يتداولوا صناعة الخط في مكاتب الصبيان فكانوا يكتبون الألواح بخط قاصر عن
الإجادة ، ومن أراد تعلم الخط ، فعلى قدر ما يسمح له بعد ذلك ، من الهمة في
طلبه ، ثم إنه كان يبتغيه من أهل صنعته ، كما تبتغى سائر الصناعات )) .
3
- إن وجه ما درج عليه الناس من تقديم دراسة القرآن :
( أ ) إيثار التبرك والثواب .
(ب) خشية ما يعرض للولد في جنون الصبا من الآفات ،
والقواطع عن العلم ، فيفوته القرآن .
4
- الفلسفة ضروها في الدين كثير ، تثير الشك ، وتزعزع الثقة ، ونحن أحوج ما
نكون إلى اليقين .
5
- في المر حلة لطلب العلم ، ولقاء المشيخة ، مزيد من العلم ، ومزيد من
التجربة ومزيد من الصقل .
6
- التعليم لهذا العهد { عهد ابن خلدون } من جملة الصناعات المعيشية البعيدة
من اعتزاز أهل العصبية . والمعلم مستضعف مسكين ، وإن التعليم في صدر
الإسلام ، والدولتين ، لم يكن كذلك .
كان
أهل الأنساب والعصبية الذين قاموا بالملة ، هم الذين يعلمون كتاب الله،
وسنة رسوله ، إذ هو كتابهم المنزل على رسوله منهم ، وبه هدايتهم ، والإسلام
دينهم ، قاتلوا عليه وقتلوا ، واختصوا به من بين الأمم ، وشرفوا ، فيحرصون
على تبليغ ذلك ، وتفهيمه للأمة ، لا تصدهم عنه لائمة الكبر ، ولا يزعهم
عاذل الأنفة ، ويشهد لذلك ، بعث النبي كبار أصحابه مع وفود العرب ،
يعلمونهم حدود الإسلام ، وما جاء به من شرائع الدين .
7 -
التعليم ضروري وطبيعي في البشر ، لحاجة الإنسان لمعارفه المختلفة ، حتى لا
يتحير بالفهم والوعي فقط ، بل بملكة خاصة ،
والحصول على هذه الملكة في العلم والفن ، يكون بالتعليم .
8 -
اختلاف الملكات بين الناس ، ناشئ عن حصول الملكات بواسطة التعليم ، على
عكس ما يظنه بعض الناس من أن هذا المتفاوت ، راجع إلى اختلاف في حقيقة
الإنسان . فابن خلدون يقر بالفروق الفردية ولكنه يرجع السبب إلى التعليم ،
مخالفا بذلك الرأي الذي يرجعها إلى وراثة والبيئة ، وهو رأي سديد ولا شك ،
لأن التعليم -كما أثبته الرؤية الثاقبة ، يعالج ما تتركه البيئة و الوراثة.
ومن قبل قيل : ( يا بني تعلموا العلم ، فإن كنتم سوقة عشتم ، وإن كنتم وسطا
سدتم ، وإن كنتم
سادة فقتم ) وهذه نظرة أبعد مدى من رأى التربية الحديثة ، التي تقصر على
تقرير الفروق الفردية .
9-
يقسم العلوم إلى مقصودة بالذات ، كالعلوم الشرعية ، و الطبيعة ، و
الإلاهية علوم آلية ، وهي وسيلة للعلوم المقصودة بالذات ، كالعربية ،
وغيرهما للشرعيات ، والمنطق للفلسفة ، وإنما تتوجه العناية لعلوم المقاصد
، أكثر من وسائلها .وعلى المعلمين ، ألا يولوا العلوم الآلية ،كل العناية .
ولسنا
مع ابن خلدون في هذا ، لأن العلوم يســاعد بعضا ، وقد تكون الحاجــة ماسة
إلى الآليات ، إذا ظـهـرت ميول المـتعلم إلـيها ، أو لاحتياج الإعداد
العلمي والوظيفي لها .
10-
التعلم في الصغر ، أسرع منالا ،وأبقى أثرا ، وهو أساس لما بعده . وهذا رأى
كثير من مفكري الإسلام .
11-
كأنى به قد ألم بكثير من موضوعات علم‘النفس ، فهو لهذا يهتم بالصحة
النفسية للمتعلم ، فينهى عن القسوة عليه ، حتى لا يصاب بالعقد النفسية (
ومن كان مرباه بالعسف و القهر ، سطا به القهر ، وضيق على النفس في انبساطها
، وذهب بنشاطها ، ودعا إلى الكسل ، وحمل على الكذب ، و الخبث ، وهذا التظاهر
بغير ما في ضميره ، خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه ) ، بل يرى ابن
خلدون أن الشدة تفسد في المتعلم معاني الإنسانية ، فيضعف عن أن يتحمل
المسئولية ، ويترك لغيره حق الدفاع عنه . فابتعدوا عن القسوة أيها الآباء
والمعلمون . لقد كان ابن خلدون أوسع فكرا ، وأعمق تحليلا للنفس وحاجاتها ،
فتفوق بهذه النظرة على علماء النفس الغربيين الذين جاءوا بعده بقرون.
12-
وفى أحايين قليلة ، يبيح ابن خلدون عقوبة المتعلم ، بما لا يزيد عن
ثلاثة أسواط ، وهذا - كما عرفنا - رأى القابس أيضا . والضرب قل أو كثر ،
يتنافى مع أبوة الوالد والمعلم .
13
- يقرر أن طريقة الأداء ليست واحدة عند كل المعلمين ، لأنها نتوقف على
عوامل كثيرة : -
·
الإعداد العلمي .
·
الإعداد الوظيفي ( المهني ) .
·
الحفاظ على استمرار النماء الثقافي
والوظيفي .
·
الميل إلى فن التدريس ، و الإيمان بقيمته
في التقدم
الحضاري ، استجابة للموهية التربوية يمنحها الله لمن يشاء يكون من
المربين الموهوبين ، وهناك المربى المتسامح، الذي يملك زمامه لتلاميذه
فيسيطرون عليه ،ولا يسيطر هو عليهم ، وهناك كذلك المربى القلق الذي يدفعه
قلقه ، إلى أن يحمل عنهم كل شئ يعطى ولا يأخذ ، والدرس أخذ وعطاء . (( ومما
يدل على أن تعلم العلم صناعة ، اختلاف الاصطلاحات فيه ، فلكل إمام من
الأئمة المشهورين اصطلاح في التعليم يختص به ، شأن الصناعات كلها ، فدل
ذلك على أن الاصطلاح ليس من العم ، وإلا كان واحدا عند الجميع )) والاصطلاح
عنده - على ما يبدوا - طريقة الأداء .
14 - مما
يعين المدرس ، على تجويد طريقة الأداء : -
¨
الاستعانة . الأمثلة المحسوسة ، لأن ما يدرك
بالحاسة ، رب إلى الفهم مما يدرك بالعقل . وهذا
مما يحسبه الغربيون من مبادراتهم .
¨
التدرج من السهل إلى الصعب ، وهذه أيضا
مبادرة لنا لا لهم .
¨
إثارة فاعلية المتعلم ، حتى لا ينصرف عن
الدرس ، فينشأ بعيدا
عن الإيجابية .
15 - يرسم للمعلم خطوات الدرس ،
ليكون من المعلمين الناجحين :-
à
يلم بأبواب العلم والفن إجمالا .
à
يعود إلى هذه الأبواب مرة ثانية ، فيتناولها بالشرح والتفصيل ،
حتى تظهر ملكة المتعلم ( والملكة المهارة والقدرة )
à
يعود مرة ثالثة ، فيفرع ، ويوضح أوجه الخلاف ، ويتعمق الشرح حتى
تستـقر الملكة. وقد كانت هذه طريقة التأليف في فترة زمنية
عشناها ، وثبتت جدواها :
درسنا
أبواب النحو كلها موجزة في كل صف من صفوف المرحلة الابتدائية ، ودرسناها
بتفصيل في كل صف من صفوف المرحلة الثانوية ، ثم درسناها بتعمق في المرحلة
الجامعة . والهدف التربوي ، أن هذه
الأبواب مترابطة ، يوضح بعضها بعضا ، وتقسيمها لتدرس أجزاء في سنوات
مختلفة ، لا يحقق هذا الترابط والتكرار من العوامل النفسية ، في تعلم
اللغة .
16
- يعيب الطريقة الإلقائية ، بأن يبدأ المدرس بذكرالقاعدة ، ثم يأتي
بالأمثلة من بعد ذلك ، لأنها مخالفة للنظرية السليمة في التربية " من
الجزئي إلى الكلى " يأتي بالأمثلة أولا ، ويناقشها مع تلاميذه ليصلوا
معا إلى القاعدة ، ثم يكون التطبيق مرحلة التثبيت .
17-
يطلب من المعلم ، أن يفهم ويفهم ، ليقتدي به تلاميذه في الفهم والإفهام .
18
- يعيب على المعلمين أن يلجئوا إلى المختصرات ، والملخصات ؛ لأنها تحرم
المتعلم من الإلمام الكامل الذي يبني الشخصية العلمية المتطورة . يقول ابن
خلدون (( أن في ذلك إفسادا للتعليم وإخلالا
بالتحصيل ، وتضييعا لوقت المتعلم ، في تتبع ألفاظ الاختصار العويصة
في الفهم ، واستخراج المسائل من بينها ، وهذا مما يقف في سبيل الملكة
الحاصلة من التعليم )) .
19
- الإنسان حيوان اجتماعي مفكر ، خاضع في صلة بعضه
ببعض ، لقوانين اجتماعية ، في جميع أمور معاشه وعمرانه ، ويمتاز الإنسان
على الحيوان ، بالفكر الذي يهتدي به لتحصل معاشه ، والتعاون عليه بأبناء
جنسه ، والاجتماع المهئ لذلك التعاون وعن هذا الفكر تنشأ العلوم فيكون
راغبا في تحصيل ما عنده من الإدراكات ، فيرجع إلى من سبقه بعلم ، أو
زادعليه بمعرفة أو إدراك ، أو أخذه ممن تقدم من الأنبياء .
20
- يشير ابن خلدون للعلاقات الإنسانية ، بين المعلم و المتعلم ، وأنها توثق
الصلات العلمية بينهما فلا يحرم الطالب خبرات أستاذه وتجاربه ، والأستاذ
إذا أحب طالبه ، منحه علمه وخبرته راضياً مطمئناً ، وهذا ما نريده
لجامعتنا أولا ، ولمدارسنا ثانيا ، حتى تقوم الحياة التربوية على أسس من
الثقة ، والتعاطف ، والحب ، والاحترام ، فلا تكون هذه الفجوة التي نراها
الآن بين الطالب وأستاذه ، ولا مصلحة للعلم في القطعية .
21
- يدعو إلى التعلم بلغة الأمة ، ويرى (( أن الدرس بلغه أجنبية ، نصف درس )) .
ولغتنا العربية ، وسعت كتاب الله علما و حكمه ،
فلا تضيق بمصطلح حديث ، أو تعجز عن ملاحقة تطور ، وقد عرفنا لغة الفكر
العلمي المبتكر ، في أزمنة مختلفة من التاريخ . وقد سبقت الإشارة لشيء من
هذا .
22
- يرى ابن خلدون الإكثار من أقوال البلغاء و الأدباء ، ليتسع الفكر ،
وتزداد الثروة اللغوية .
23
- يصل ابن خلدون إلى أحدت آراء للتربية وعلم النفس وهو انتقال أثر التدريب
و مضمونه (( إن تعليم أمر معين يميد في بعلم أمر آخر ، فتعلم التاريخ
الإسلامي ، ينتقل أثره إلى تعلم تاريخ الأدب العربي ، الأسماء والتواريخ
والمواقع ، تكادا أن تكون متحده ، وهذه عوامل مشتركة لابد منها لانتقال
أثر التدريب . والتلميذ الذي يرى أنواعا من السيارات ، يمكنه أن يتعرف على
أنواع غيرها لم تكن قد مرت بخبرته من قبل . وهذا هو التعميم ، وهو العملية
التي يتم بها إدراك المعالم العامة أو المبادئ الرئيسة المشتركة ، وهو شرط
هام من شروط انتقال أثر التدريب ، بساعد على التعليم في الأمور الأخرى ،
التي ترتبط بالموضوع الأول . ولا شك أن الطريقة التي يتمم بها التعلم ،
تعين على انتقال أثر التدريب . فإذا تم التعلم عن طريق الإدراك الواضح ،
والفهم التام للموقف تيسر انتقال آثاره إلى المواقف الجديدة . أما التعلم
السطحي و الجزئي ، فإن آثار التدريب لا تنتقل بسهولة ، فالمواقف المشتركة
أولاً والتعميم ثانياً ، وطريقة التعلم ثالثاً ، مبادئ ضرورية لانتقال
آثار التدريب )) ، هذا ما يقوله علم النفس التربوي ، فانظر ماذا يقوله ابن
خلدون :" إن إتقان الصناعات ، لا يجعل الإنسان ماهراً فيها فقط ، وإنما
تنتقل مهارته إلى غيرها من الصناعات التي يتعلمها ، إذا كانت قريبة من
الأولى التي أتقنها ، فمثلاً إذا مهر في الخط ، فإن أثر هذه المهارة ،
تنتقل إذا تعلم النقش على الجدران ، وكذلك من تظهر مهارته في الحساب ، يسهل
عليه أن يتقن الجبر والهندسة " ، وستجد أن الفكرة ، أوضح ما تكون عند ابن
خلدون ، والفضل للسابق .
24
- كثرة التأليف في العلوم ، من معوقات التحصيل يقول :" اعلم أنه مما أضر
بالناس في تحصيل العلم ، والوقوف على غاياته ، كثرة التأليف ، واختلاف
الاصطلاحات في التعليم ، وتعدد طرقها " ، يريد ألا يتوزع تفكير المتعلم
المبتدئ في كتب كثيرة ؛ لأنه بعيد عن التركيز ، حتى إذا اشتد عوده ونضج
فكره ، فالرجوع إلى المراجع المختلفة من البديهيات .
25
- يرى ألا تطول الفترات بين الدروس ، إذ أن في التقطيع مدعاة ؛ لأن ينسى
المتعلم ما درسه لطول الفترة بين الدرس والآخر ، ومواصلة الدرس يساعد على
أن تتم عملية التعلم في وقت أقصر ، وبطريقة أصح ، وتأتي بنتيجة أفضل .
26
- إن تعليم اللغة - الذي يجب أن يكون أساساً لتعلم سائر العلوم - يبدأ بتعلم
الكتابة والقراءة ، ثم تربط الألفاظ بالمعاني ، ثم ينتهي بالتجريد ،
والربط بين بعض المعاني المختلفة وبعضها .
27
- إن الفرد يستطيع التعبير عن آرائه بطريقة أفضل وأصح ، إذا استخدم لغته
الدارجة التي يعرفها ويجيدها ، وبها يستطيع أن يصب معانيه ومشاعره
وأفكاره في ألفاظ ، ولا نوافقه على هذا الرأي ؛ لأن
لغة القرآن هي اللغة العربية .