الباب الثالث

أعلام نهجوا في التربية المذهب الاجتماعي

ابــن خـلــدون

732 - 808 هـ1331 - 1405 م

  " أنشأت في التاريخ وأبديت فيه لأولية الدول والعمران عِللاً

 وأسباباً ، وسلكت في ترتيبه وتبويبه مسلكاً غريباً

 واخترعته من بين المناص مذهباً عجيباً وطريقة مبتدعة "

ابن خلدون

 

          ابن خلدون هو وليّ الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن محمد ... ابن خالد بن الخطاب ، ولد في تونس ( غرة رمضان 732 هـ-27/5/1332 م ) وتلقى ابن خلدون علومه على أبيه وعلى نفرٍ من علماء تونس والعلماء الواردين إليها فحفظ القرآن العظيم وتفسيره والحديث والفقه واللغة والنحو ثم توسع في الأدب والمنطق وعلوم الفلسفة .

          وفي سنة 748 هـ ( 1347م ) التحق ابن خلدون بحاشية أبي الحسن المرينيّ سلطان مراكش ، ولكن أول عهده بمراتب الدولة فعلاً كان سنة 752 هـ ( 1351م ) ، فقد تولّى " كتابة العلامة " ( ديوان الرسائل ) لأبي محمد بن تافراكين المستبدّ على الدولة يومئذٍ بتونس . ثم أنه وُصف لأبي عِنان صاحب فاس ، وكان يجمع العلماء في بلاطه ، فاستقدمه سنة 755 هـ ثم استخدمه في آخر سنة 756 هـ ( آخر 1355م )  .

          وتقلّب ابن خلدون في البلاد فكان عند بني مَرين في فاس ( 760هـ - 1359م ) ، وعند بني عبد الواد في تِلْمِسان ( 763 هـ ) ثم عند بني الأحمر في غرناطة الأندلس ( 764 هـ ) ، فأرسله بنو الأحمر في سفارة إلى بطره ملك قشتالة ( بطرس الرابع القاسي الأسباني ) لإتمام عقد الصُلح بينه وبين ملوك المغرب .

          ثم إنه انتقل إلى المغرب ، ولمّا سئم التَطْواف والمناصب وخاف عواقب السياسة آثر الاعتزال في قلعة سلامة ، شرق تلمسان ، فمكث عند بني العريف أربع سنوات وبدأ بتأليف كتابه في التاريخ ، ولكنه احتاج إلى مواد لكتابه لم تكن متيسرة في قلعة سلامة فعاد إلى تونس ( 780هـ - 378 م ) .

          وفي سنة 784 هـ ( 1382م ) سار ابن خلدون إلى الحجّ ، فلما وصل إلى مصْر عُرض عليه القضاء على المذهب المالكيّ فقَبِله فتأخر ذهابه إلى الحج حتى سنة 789 هـ ، وعاد من الحج إلى القاهرة وانقطع فيها للتدريس حيناً ثم عاد إلى توليّ القضاء ( 801 هـ - 1399 م ) .

          ولما غزا تيْمورلنْك سورية ذهب الملك الناصر فَرَجُ ابن الملك الظاهر بَرقوق إلى دمشق ليُفاوض تيمور واصطحب نفراً من العلماء فيهم ابن خلدون . ثم سمع الناصر فرج بمؤامرة عليه في مصر فاضطر إلى العودة ، فحمل ابن خلدون تبِعَة الحال وذهب سِراً على رأس وفد لمفاوضة تيمور في الصلح وألقى بين يديه خطبة نفسية ، فأكرمه تيمور عليها وأعاده إلى مصر . وتولّى ابن خلدون القضاء بمصر بعد ذلك مراراً ، ثم وافاه اليقين بالقاهرة في 25 رمضان 808 هـ ( 15 آذار مارس 1406 م ) ([1]) .

هذه حياة ابن خلدون عرضناها لنستخلص منها :

1.       أنه عربي الأصل ، عريق النسب ، له ولأسرته في وظائف الرئاسة ، والإدارة نصيب ، مما دفع ابن خلدون لميادين المغامرات يصول فيها و يجول ، حرصاً على مجد موروث ، وتحقيقا لآمال عريضة .

2.       هذه المغامرات التي خاض ابن خلدون معاركها ، حدت ذهنه ، ووسعت آفاته ، ونمت تجاربه وأعانته على الترجمة الصادقة للحوادث ، وتحليل أسبابها ، ودوافعها ، ورصد حركاتها ، وربط بعضا ببعض ، ومناقشة الأهداف أن تحققت ، ومعوقات فشلها إن فشلت .

3.       وهذه المغامرات أيضا ، زادت صلابة ، وعناداً ، وشجاعة نفس جرأة في إبداء الرأي ، وهى صفات تصقل المواهب ، وتغرس الثقة ، وتعود المثابرة والصبر ، وهى صفات ألزم تكون للمؤرخ.

4.       وهذه الحياة الخصبة التي عاشها ابن خلدون بين مشرق ومغرب ، أطلعته على كثير من صور الحياة الاجتماعية في الدول المختلفة ، وأمدته بمفاهيم جديدة ، ساعدته على التصور السليم للمواقع والحوادث .

5.       استعان على كتابة التاريخ بالمشاهدة ، وعلى التعليل للحوادث بالممارسة .

6.       نال من التعليم على يد خير الأساتذة  . حظ وافرا من المعرفة ، واطلع في تونس ، والأندلس ، ومصر ، على أضخم المراجع العلمية التي لا تتاح لكثيرين .               

7.       لم تكن حياته ـ كما رأينا ـ صراعا كلها ـ وإنما سادتها فترات من الراحة النفسية ، والاستقرار الحياتي ، يسرت له سبل التفكير الهادئ ، والتأمل العميق ، فحصل واستوعب ، ثم ألف .

8.       ربع قرن في المغرب بين حل وترحال ، وصعود وهبوط ، وحرية  وسجن ، وثورة وهدوء وربع وقرن في مصر يقوم بالتدريس ، ويتولى القضاء ، ويسفر بين الحاكمين ، ويرتاد ميادين القتال ، عمرطويل ، وحياة خصبة أكسبته التجربة السليمة ، والرؤية  الواضحة ، والآفاق الواسعة ، والجوانب المتعددة ، والأحكام المؤسسة على أمتن الأسس ، ومن كل بعد أولئك الاحترام والتقدير .

9.       واغترب عن الأهل الوطن ، ثم فقط صفوة الأحبة ، فأزكت آلامه ، وأوجعت نفسه فتنبهت الأحاسيس ، التبهت المشاعر ، واشتدت المعاناة  ، فإذ أتكلم عن التربية ، ومحورها الفرد في مجتمعه ، صدق حسبه ، وأصابت نظرياته .

10.   اجتمعت ابن خلدون خصال ثلاث : التجربة ، العلم ، والذكاء ، فكانت له سندا قويا عندما تصدى للتأليف في العمران البشرى ، والاجتماع الإنسان ، وبيان ما يلحق من العوارض . والأحوال لذاته وذلك موضوع مقدمة ابن خلدون .

          ويهمنا من مقدمته . آراؤه التربوية فيها : وتراها في الفصل السادس من هذه المقدمة ( ستة فصول ) ([2]) .

 

          1 - العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران ، وتعظم الحضارة (( ونحن لهذا العهد ، نرى أن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر ، لأن عمرانها مستبحر ، وحضارتها مستحكمة ، من آلاف السنين )) .

 

          2 ـ اختلاف العناية بمواد الدارسة ، باختلاف الأمصار . (( فأما أهل المغرب ، فمذهبهم الاقتصار على تعليم القرآن ، وأخذ الأبناء أثناء المدارسة بالرسم ومسائله ، واختلاف حملة القران فيه ، لا يخلطون ذلك بسواه من حديث أو فقه ، أو شعر أو نثر ، إلى أن يحذق الصبي فيه ، أو ينقطع دونه ، فيكون انقطاعه في الغالب ، انقطاعا عن العلم بالجملة ، فهم لذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه من سواهم ، ولكن التزامهم تلك الخطة ، أورثهم قصوراً في حسن البيان ، فكان حظهم الجمود في العبارات ، وقلة التصرف في الكلام . وأما أهل الأندلس فلم يحيطوا القرآن وعلومه بعنايتهم ، وإنما أخذوا أولادهم من أول العمر ، بكثرة رواية الشعر ، وبالتدريب على الترسل ، وبمدارسة العربية ، وحفظ قوانينها ، وبتجويد الخط والكتابة ، فبرزوا فيهما . وهذا الــتفنن في التعليم ملكة صاروا بها أعرف في اللسان العربي وأبرع في خط ، وأدب ، على حسب ما يكون التعليم الثاني بعد تعليم الصبا ، ولكنهم قصروا في سائر العلوم ، لبعدهم عن مدارسة القرآن والحديث ، التي هي أصل العلوم وأساسها . وأما أهل المشرق فكانوا يعنون بدراسة القرآن وصنوف العلم وقوانينه ، ولم يتداولوا صناعة الخط في مكاتب الصبيان فكانوا يكتبون الألواح بخط قاصر عن الإجادة ، ومن أراد تعلم الخط ، فعلى قدر ما يسمح له بعد ذلك ، من الهمة في طلبه ، ثم إنه كان يبتغيه من أهل صنعته ، كما تبتغى سائر الصناعات )) .

          3 - إن وجه ما درج عليه الناس من تقديم دراسة القرآن :

( أ ) إيثار التبرك والثواب .

(ب) خشية ما يعرض للولد في جنون الصبا من الآفات ، والقواطع عن  العلم ، فيفوته القرآن .

          4 - الفلسفة ضروها في الدين كثير ، تثير الشك ، وتزعزع الثقة ، ونحن أحوج ما نكون إلى اليقين .

          5 - في المر حلة لطلب العلم ، ولقاء المشيخة ، مزيد من العلم ، ومزيد من التجربة ومزيد من الصقل .

          6 - التعليم لهذا العهد { عهد ابن خلدون } من جملة الصناعات المعيشية البعيدة من اعتزاز أهل العصبية . والمعلم مستضعف مسكين ، وإن التعليم في صدر الإسلام ، والدولتين ، لم يكن كذلك .

          كان أهل الأنساب والعصبية الذين قاموا بالملة ، هم الذين يعلمون كتاب الله، وسنة رسوله ، إذ هو كتابهم المنزل على رسوله منهم ، وبه هدايتهم ، والإسلام دينهم ، قاتلوا عليه وقتلوا ، واختصوا به من بين الأمم ، وشرفوا ، فيحرصون على تبليغ ذلك ، وتفهيمه للأمة ، لا تصدهم عنه لائمة الكبر ، ولا يزعهم عاذل الأنفة ، ويشهد لذلك ، بعث النبي كبار أصحابه مع وفود العرب ، يعلمونهم حدود الإسلام ، وما جاء به من شرائع الدين .

 

          7 - التعليم ضروري وطبيعي في البشر ، لحاجة الإنسان لمعارفه المختلفة ، حتى لا يتحير بالفهم والوعي فقط ، بل بملكة خاصة  ، والحصول على هذه الملكة في العلم والفن ، يكون بالتعليم .

 

          8 - اختلاف الملكات بين الناس ، ناشئ عن حصول الملكات بواسطة التعليم ، على عكس ما يظنه بعض الناس من أن هذا المتفاوت ، راجع إلى اختلاف في حقيقة الإنسان . فابن خلدون يقر بالفروق الفردية ولكنه يرجع السبب إلى التعليم ، مخالفا بذلك الرأي الذي يرجعها إلى وراثة والبيئة ، وهو رأي سديد ولا شك ، لأن التعليم -كما أثبته الرؤية الثاقبة ، يعالج ما تتركه البيئة و الوراثة. ومن قبل قيل : ( يا بني تعلموا العلم ، فإن كنتم سوقة عشتم ، وإن كنتم وسطا سدتم ، وإن كنتم
سادة فقتم ) وهذه نظرة أبعد مدى من رأى التربية الحديثة ، التي تقصر على تقرير الفروق الفردية .

 

          9- يقسم العلوم إلى مقصودة بالذات ، كالعلوم الشرعية ، و الطبيعة ، و الإلاهية علوم آلية ، وهي وسيلة للعلوم المقصودة بالذات ، كالعربية ، وغيرهما للشرعيات ، والمنطق للفلسفة ، وإنما تتوجه العناية لعلوم المقاصد ، أكثر من وسائلها .وعلى المعلمين ، ألا يولوا العلوم الآلية ،كل العناية .

          ولسنا مع ابن خلدون في هذا ، لأن العلوم يســاعد بعضا ، وقد تكون الحاجــة ماسة إلى الآليات ، إذا ظـهـرت ميول المـتعلم إلـيها ، أو لاحتياج الإعداد العلمي والوظيفي لها .

 

          10- التعلم في الصغر ، أسرع منالا ،وأبقى أثرا ، وهو أساس لما بعده . وهذا رأى كثير من مفكري الإسلام .

          11- كأنى به قد ألم بكثير من موضوعات علم‘النفس ، فهو لهذا يهتم بالصحة النفسية للمتعلم ، فينهى عن القسوة عليه ، حتى لا يصاب بالعقد النفسية ( ومن كان مرباه بالعسف و القهر ، سطا به القهر ، وضيق على النفس في انبساطها ، وذهب بنشاطها ، ودعا إلى الكسل ، وحمل على الكذب ، و الخبث ، وهذا التظاهر  بغير ما في ضميره ، خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه ) ، بل يرى ابن خلدون أن الشدة تفسد في المتعلم معاني الإنسانية ، فيضعف عن أن يتحمل المسئولية ، ويترك لغيره حق الدفاع عنه . فابتعدوا عن القسوة أيها الآباء والمعلمون . لقد كان ابن خلدون أوسع فكرا ، وأعمق تحليلا للنفس وحاجاتها ، فتفوق بهذه النظرة على علماء النفس الغربيين الذين جاءوا بعده بقرون.

          12-    وفى أحايين قليلة ، يبيح ابن خلدون عقوبة المتعلم ، بما لا يزيد عن ثلاثة أسواط ، وهذا - كما عرفنا - رأى القابس أيضا . والضرب قل أو كثر ، يتنافى مع أبوة الوالد والمعلم .

          13 - يقرر أن طريقة الأداء ليست واحدة عند كل المعلمين ، لأنها نتوقف على عوامل كثيرة : -

·                   الإعداد العلمي .

·                   الإعداد الوظيفي ( المهني ) .

·                   الحفاظ على استمرار النماء الثقافي والوظيفي .

·                   الميل إلى فن التدريس ، و الإيمان بقيمته في التقدم
الحضاري ، استجابة للموهية التربوية يمنحها الله لمن يشاء يكون من المربين الموهوبين ، وهناك المربى المتسامح، الذي يملك زمامه لتلاميذه فيسيطرون عليه ،ولا يسيطر هو عليهم ، وهناك كذلك المربى القلق الذي يدفعه قلقه ، إلى أن يحمل عنهم كل شئ يعطى ولا يأخذ ، والدرس أخذ وعطاء . (( ومما يدل على أن تعلم العلم صناعة ، اختلاف الاصطلاحات فيه ، فلكل إمام من الأئمة المشهورين اصطلاح في التعليم يختص به ، شأن الصناعات كلها ، فدل ذلك على أن الاصطلاح ليس من العم ، وإلا كان واحدا عند الجميع )) والاصطلاح عنده - على ما يبدوا - طريقة الأداء .

          14 -  مما يعين المدرس ، على تجويد طريقة الأداء : -

¨   الاستعانة . الأمثلة المحسوسة ، لأن ما يدرك بالحاسة ، رب إلى الفهم  مما يدرك بالعقل . وهذا مما يحسبه الغربيون من مبادراتهم .

¨   التدرج من السهل إلى الصعب ، وهذه أيضا مبادرة لنا لا لهم .

¨   إثارة فاعلية المتعلم ، حتى لا ينصرف عن الدرس ، فينشأ بعيدا
 عن الإيجابية .

          15 - يرسم للمعلم خطوات الدرس ، ليكون من المعلمين الناجحين :-

à      يلم بأبواب العلم والفن إجمالا .

à      يعود إلى هذه الأبواب مرة ثانية ، فيتناولها بالشرح والتفصيل ، حتى تظهر ملكة المتعلم ( والملكة المهارة والقدرة )

à      يعود مرة ثالثة ، فيفرع ، ويوضح أوجه الخلاف ، ويتعمق الشرح حتى  تستـقر الملكة. وقد كانت هذه طريقة التأليف في فترة زمنية   عشناها ، وثبتت جدواها :‎

          درسنا أبواب النحو كلها موجزة في كل صف من صفوف المرحلة الابتدائية ، ودرسناها بتفصيل في كل صف من صفوف المرحلة الثانوية ، ثم درسناها بتعمق في المرحلة الجامعة . والهدف التربوي ، أن هذه
الأبواب مترابطة ، يوضح بعضها بعضا ، وتقسيمها لتدرس أجزاء في سنوات مختلفة ، لا يحقق هذا الترابط والتكرار من العوامل النفسية ، في تعلم اللغة .

          16 - يعيب الطريقة الإلقائية ، بأن يبدأ المدرس بذكرالقاعدة ، ثم يأتي بالأمثلة من بعد ذلك ، لأنها مخالفة للنظرية السليمة في التربية " من الجزئي إلى الكلى " يأتي بالأمثلة أولا ، ويناقشها مع تلاميذه ليصلوا معا إلى القاعدة ، ثم يكون التطبيق مرحلة التثبيت .

          17- يطلب من المعلم ، أن يفهم ويفهم ، ليقتدي به تلاميذه في الفهم والإفهام .

          18 - يعيب على المعلمين أن يلجئوا إلى المختصرات ، والملخصات ؛ لأنها تحرم المتعلم من الإلمام الكامل الذي يبني الشخصية العلمية المتطورة . يقول ابن خلدون (( أن في ذلك إفسادا للتعليم وإخلالا
بالتحصيل ، وتضييعا لوقت المتعلم ، في تتبع ألفاظ الاختصار العويصة
في الفهم ، واستخراج المسائل من بينها ، وهذا مما يقف في سبيل الملكة الحاصلة من التعليم )) .

           19 - الإنسان حيوان اجتماعي مفكر ، خاضع في صلة بعضه
ببعض ، لقوانين اجتماعية ، في جميع أمور معاشه وعمرانه ، ويمتاز الإنسان على الحيوان ، بالفكر الذي يهتدي به لتحصل معاشه ، والتعاون عليه بأبناء جنسه ، والاجتماع المهئ لذلك التعاون وعن هذا الفكر تنشأ العلوم فيكون راغبا في تحصيل ما عنده من الإدراكات ، فيرجع إلى من سبقه بعلم ، أو زادعليه بمعرفة أو إدراك ، أو أخذه ممن تقدم من الأنبياء .

          20 - يشير ابن خلدون للعلاقات الإنسانية ، بين المعلم و المتعلم ، وأنها توثق الصلات العلمية بينهما فلا يحرم الطالب خبرات أستاذه وتجاربه ، والأستاذ إذا أحب طالبه ، منحه علمه وخبرته راضياً مطمئناً ، وهذا ما نريده لجامعتنا أولا ، ولمدارسنا ثانيا ، حتى تقوم الحياة التربوية على أسس من الثقة ، والتعاطف ، والحب ، والاحترام ، فلا تكون هذه الفجوة التي نراها الآن بين الطالب وأستاذه ، ولا مصلحة للعلم في القطعية .

          21 - يدعو إلى التعلم بلغة الأمة ، ويرى (( أن الدرس بلغه أجنبية ، نصف درس )) . ولغتنا العربية ، وسعت كتاب الله علما  و حكمه ، فلا تضيق بمصطلح حديث ، أو تعجز عن ملاحقة تطور ، وقد عرفنا لغة الفكر العلمي المبتكر ، في أزمنة مختلفة من التاريخ . وقد سبقت الإشارة لشيء من هذا .

          22 - يرى ابن خلدون الإكثار من أقوال البلغاء و الأدباء ، ليتسع الفكر ، وتزداد الثروة اللغوية .

          23 - يصل ابن خلدون إلى أحدت آراء للتربية وعلم النفس وهو انتقال أثر التدريب و مضمونه (( إن تعليم أمر معين يميد في بعلم أمر آخر ، فتعلم التاريخ الإسلامي ، ينتقل أثره إلى تعلم تاريخ الأدب العربي ، الأسماء والتواريخ والمواقع ، تكادا أن تكون متحده ، وهذه عوامل مشتركة لابد منها لانتقال أثر التدريب . والتلميذ الذي يرى أنواعا من السيارات ، يمكنه أن يتعرف على أنواع غيرها لم تكن قد مرت بخبرته من قبل . وهذا هو التعميم ، وهو العملية التي يتم بها إدراك المعالم العامة أو المبادئ الرئيسة المشتركة ، وهو شرط هام من شروط انتقال أثر التدريب ، بساعد على التعليم في الأمور الأخرى ، التي ترتبط بالموضوع الأول . ولا شك أن الطريقة التي يتمم بها التعلم ، تعين على انتقال أثر التدريب . فإذا تم التعلم عن طريق الإدراك الواضح ، والفهم التام للموقف تيسر انتقال آثاره إلى المواقف الجديدة . أما التعلم السطحي و الجزئي ، فإن آثار التدريب لا تنتقل بسهولة ، فالمواقف المشتركة أولاً والتعميم ثانياً ، وطريقة التعلم ثالثاً ، مبادئ ضرورية لانتقال آثار التدريب )) ، هذا ما يقوله علم النفس التربوي ، فانظر ماذا يقوله ابن خلدون :" إن إتقان الصناعات ، لا يجعل الإنسان ماهراً فيها فقط ، وإنما تنتقل مهارته إلى غيرها من الصناعات التي يتعلمها ، إذا كانت قريبة من الأولى التي أتقنها ، فمثلاً إذا مهر في الخط ، فإن أثر هذه المهارة ، تنتقل إذا تعلم النقش على الجدران ، وكذلك من تظهر مهارته في الحساب ، يسهل عليه أن يتقن الجبر والهندسة " ، وستجد أن الفكرة ، أوضح ما تكون عند ابن خلدون ، والفضل للسابق .

          24 - كثرة التأليف في العلوم ، من معوقات التحصيل يقول :" اعلم أنه مما أضر بالناس في تحصيل العلم ، والوقوف على غاياته ، كثرة التأليف ، واختلاف الاصطلاحات في التعليم ، وتعدد طرقها " ، يريد ألا يتوزع تفكير المتعلم المبتدئ في كتب كثيرة ؛ لأنه بعيد عن التركيز ، حتى إذا اشتد عوده ونضج فكره ، فالرجوع إلى المراجع المختلفة من البديهيات .

          25 - يرى ألا تطول الفترات بين الدروس ، إذ أن في التقطيع مدعاة ؛ لأن ينسى المتعلم ما درسه لطول الفترة بين الدرس والآخر ، ومواصلة الدرس يساعد على أن تتم عملية التعلم في وقت أقصر ، وبطريقة أصح ، وتأتي بنتيجة أفضل .

          26 - إن تعليم اللغة - الذي يجب أن يكون أساساً لتعلم سائر العلوم - يبدأ بتعلم الكتابة والقراءة ، ثم تربط الألفاظ بالمعاني ، ثم ينتهي بالتجريد ، والربط بين بعض المعاني المختلفة وبعضها .

          27 - إن الفرد يستطيع التعبير عن آرائه بطريقة أفضل وأصح ، إذا استخدم لغته الدارجة التي يعرفها ويجيدها ، وبها يستطيع أن يصب معانيه ومشاعره وأفكاره في ألفاظ ، ولا نوافقه على هذا الرأي ؛ لأن
لغة القرآن هي اللغة العربية .

هذا ابن خلدون سبق بآرائه التربوية ، علماء التربية الغربيين ، ومبادراته  فيها ، أحلته منهم محل الأستاذ النابه .


([1])    عمر فروخ . تاريخ العلوم عند العرب . ط4 . بيروت ، دار العلم للملايين ، 1984 ، ص 444 .

([2])    عبدالرحمن بن خلدون . مقدمة ابن خلدون . بيروت، دار إحياء التراث العربي ، ص 429 .