المقدمة

     الحمد لله الذي أنعم بالهداية إلى دين الحق , وجعلنا من أمة خير الأنام ,التي أعلى شأنها بالقراّن .

وبعد  :   فقد كنت أطالع كتابا ليس غريبا على الناظرين في أصول العربية وهو كتاب  عرفه المتقدمون ولم يتسن للكثير من المحدثين الاطلاع عليه , وقد ورد ذكره في كتب السيوطي , هذا الكتاب هو كتاب    ( الحروف ) لأبي نصر الفارابي .

   وقد وجدت في هذا الكتاب ما لم ينظر فيه أي واحد من المحدثين , كما أنني وقفت على آراء الفيلسوف الثاني في اللغة وفي أدق فروعها ألا  وهو علم الأصوات  ولعل المحدثين لم ينتبهوا لهذا الكتاب لأن مؤلفه لم يكن من علماء اللغة إذ هو الفيلسوف العربي المعروف بالمعلم الثاني    .

   لقد تطور علم الأصوات في السنوات الأخيرة تطورا سريعا وملحوظا , وذلك نتيجة التطور الهائل في الأجهزة الإلكترونية , والتطور الهائل في مجالات التصوير بالأشعة , وجهود العلماء المخلصين , ومع هذا كله فقد بقي علم الأصوات بكرا , فيه مرتع خصيب , وميدان واسع لكثير من البحوث الجادة .

     لقد قام علماؤنا الأوائل بتسطير صفحات مشرقة في هذا المجال , دون أن يعتمدوا على أجهزة إلكترونية , بل اعتمدوا أحاسيسهم المرهفة , وسجاياهم الخلاقة ,.

     وفي هذه الصفحات البسيطة التي تناول أحد هؤلاء الأفذاذ وهو ( أبو نصر الفارابي )  فقد تناول هذا العالم الفيلسوف آلية النطق في فقرة بسيطة وصغيرة أوردها في كتاب الحروف . فعرضت نظرته إلى آلية النطق  ومقارنتها بم توصل إليه العلم الحديث في هذا المجال , كما عرضت بعض اللمحات الفنية والذكية التي جاء بها , وسجلت بعض الملاحظات التي يمكن أن تسجل عليه, ثم اتبعت ذلك بخاتمة تضمنت أهم ما توصل إليه البحث  .

                       

                                                        والله ولي التوفيق

                                                        الباحث خلدون مرعي حداد                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                         

========================================= 

     تحدث القدماء عن الأصوات , من حيث صفاتها ومخارجها , وأحوال مهموسها ومجهورها . وما إلى ذلك , فهذا الخليل يقدم أبجديته بحسب مخارج الأصوات وذلك في معجم العين , وهذا تلميذه سيبوبه يقدم ترتيبا آخر يختلف يسيرا عن أستاذه ويصف الحروف العربية , وما كان منها مستحسنا في قراءة القرآن الكريم أو الشعر العربي . ثم يأتي ابن جني ويسطع ضوؤه في سماء علم الأصوات ويسجل في كتابه " سر صناعة الإعراب " لمحات ذكية ..

   لكن هؤلاء العلماء لم يتحدثوا عن أعقد قضية في علم الأصوات النطقي , ألا وهي العملية النطقية    ( آلية النطق ) , فلم يتحدثوا عن كيفية حصول الأصوات . ويرى بعض الباحـثين (1) أن أدق نص وصل إلينا هو رسالة الرئيس ابن سينا " رسالة أسباب حدوث الحروف " فوصف فيها آلية النطق , وتشريح الحنجرة ووصل فيها حد الإبداع , حتى إنها ترجمت إلى عدة لغات أوروبية....

    والحقيقة أن هناك التفاتة من الفيلسوف ( المعلم الثاني ) أبي نصر الفارابي صاحب ابن السراج الذي أخذ عنه النحو , وأخذ ابن السراج عنه المنطق (2)  فذكر وصفا رائعا لعملية إصدار الأصوات  , بالرغم من أنه لم يكن عالما بيولوجيا , ولكنه كان عالما ذا حس مرهف , فسطر صفحة مشرقة من صفحات علم الأصوات ..

    ولعل عدم التفاتة العلماء القدماء والمحدثين إلى كلام الفارابي  في كتاب الحروف , أن هذا العالم فيلسوف , ولم يكن له اهتمامات بالدراسات الصوتية , ثم إنه لم يخصص لهذه القضية دراسة خاصة كما فعل ابن سينا , بل جعلها في فقرة أثناء حديثه عن حدوث الألفاظ والفلسفة والملة . ولكن عنوان الكتاب يحتمل أن يحوي مثل هذه الدراسة , كما حوى غيرها من القضايا  مثل " النظرية التواضعية في تفسير نشأة اللغة ", مع العلم بأن معظم الدارسين ينسبونها إلى ابن جني , كما حوى هذا الكتاب روح النص الذي اعتمد عليه السيوطي في تقسيم القبائل التي أخذ عنها اللسان العربي في عصر الرواية , والقبائل التي لم يؤخذ عنها في كتابيه  (المزهر ) و ( الاقتراح ) ...

   ويسطر الفارابي في الصفحة السادسة والثلاثين بعد المائة من كتابه الحروف ما نصه :-

    "" وظاهر أن تلك التصويتات إنما تكون من القرع بهواء النفس بجزء أو أجزاء من حلقه أو بشيء من

   ____________________

 (1)    انظر د. حنا ترزي , الأصوات ومخارج الحروف  (5)                                                                                                        

(2)  انظر كتاب الحروف (المقدمة 45) 

      

أجزاء ما فيه وباطن أنفه أو شفتيه , فإن هذه هي الأعضاء المقروعة بهواء النفس . والقارع أولا هي  القوة التي تسرب هواء النفس من الرئة وتجويف الحلق أولا فأولا إلى طرف الحلق الذي يلي الفم والأنف وإلى ما بين الشفتين , ثم اللسان يتلقى ذلك الهواء فيضغطه إلى جزء جزء من أجزاء باطن الفم وإلى جزء جزء من أصول الأسنان وإلى الأسنان فيقرع به ذلك الجزء فيحدث من كل جزء يضغطه اللسان عليه ويقرعه به تصويت محدود , وينقله اللسان بالهواء من جزء إلى جزء من أجزاء أصل الفم , فتحدث تصويتات متوالية كثيرة محدودة "" . 

   هذه الفقرة على قصرها تحمل لمحات ذكية , تنم عن سعة أفق وبصيرة نافذة , وفهم عميق للعملية النطقية , ويرى فيها الفارابي أن الهواء بخروجه من الرئتين يتلقاه اللسان ويضغطه إلى جزء من أجزاء باطن الفم أو إلى جزء من أصول الأسنان أو إلى الأسنان ذاتها , فيضربه بذلك الجزء محدثا ذلك الصوت نتيجة هذا القرع أو الضرب . ثم ينتقل  هذا التصويت نتيجة هذا القرع أو الضرب . ثم ينتقل هذا التصويت من ذلك الموقع الذي حدث عنده إلى أجزاء الفم فيصفى ويرشح ثم يخرج . ويحمل الهواء هذا الصوت من أجزاء باطن الفم إلى الأمام , ثم يخرج محمولا بالهواء فيكون الهواء وسطا ناقلا لترددات الصوت ...

   ويتحدث الفارابي عن التصويتات المتوالية الكثيرة المحدودة , وكأنه يتحدث عن ترددات الأصوات , فهي متوالية كثيرة محدودة , وهي تميز الصوت وتفرقه عن غيره , كما تميز صوت الفرد عن غيره من أصوات البشر , فهي كالبصمة أو أدق منها .

  وإن هذه الترددات تكسب الصوت ملامح معينة من شدة ورخاوة أو استمرار ووقف أو جهر وهمس , وإن أي اختلاف في هذه الترددات تؤدي إلى اختلاف في بعض الملامح .