إن
هذه الالتفاتة السريعة من الفارابي إلى آلية النطق , إلتفاتة جديرة بالتقدير , وحري بنا أن ننظر إليها نظرة المتفحص , مع أنها لا
تتطابق وما توصل إليه علم الأصوات الحديث , فمن الثابت حديثا
_في معظم الأصوات _ أن الصوت يحدث نتيجة اهتزاز جسم ( الأوتار الصوتية ) ,
ثم ينتقل إلى أذن السامع على شكل أمواج نصف دائرية في وسط ناقل , غازي أو
سائل أو صلب ..
وهناك أمور التفت إليها الفارابي في الفقرة التي ذكرت ومنها :-
أولا : نظر
الفارابي إلى أن الصوت هو نتاج تنوع الضغط في الهواء عند انحباسه ثم
انفلاته عند مواضع النطق على مجرى الهواء , وهذه تفسير ذكي , إذ إن قلقة
الهواء نتيجة التغير في الضغط تؤدي إلى سماع انفجارات صوتية..
ثانيا
: تكلم الفارابي عن
حجرات الرنين , ومواضع النطق المتنوعة على ممر الهواء , مبتدئا بالحلق
وأجزائه , وباطن الأنف , وأصول الأسنان , والأسنان , والشفتين , وكذلك حجرة
الفم كاملا , حين ينقل اللسان الصوت بواسطة الهواء من أجزاء
أصل الفم , فيكون باطن الفم حجرة رنين يضخم فيها الصوت قبل خروجه . وفي
هذه الحجرة يتم ترشيح الصوت وتنقيته , وبذلك يكتمل الصوت , ويخرج إلى
الأسماع ..
ثالثا : التفت
الفارابي إلى أهمية الوسط الناقل الذي غالبا ما يكون الهواء المحيط ,
وكأنه شعر أنه لن يكون سماع دون وجود الهواء , وهذا يدل على أنه نظر إلى أن
الصوت مكون من ترددات ينقلها الهواء من داخل الفم , من جزء إلى جزء من أصل
الفم ..
رابعا : قال إن الأصوات تنتج من الهواء الخارج من
الرئتين , وذلك بضغط الهواء بواسطة اللسان في مناطق من الفم , ولم يقل بأنها
تنتج بهواء الزفير , وهذا يقدم دليلا على عدم وجود أصوات داخلية
( مكونة من هواء الشهيق ) . منذ عصر الفارابي على أقل تقدير , وعدم تطور
هذه الأصوات من هذا النوع .
ولعل الفارابي غفل عن بعض الأمور أو سها عنها بالرغم من
تلك اللمحات الذكية , ومن تلك الأمور :
أولا : لم
يتحدث عن الأوتار الصوتية والحنجرة وفتحة المزمار , مع ما لهذه الأعضاء من
أهمية عظيمة في تكوين الصوت اللغوي , وكان حديثه عن ضغط الهواء وقرعه
لأجزاء الفم , ولو كان الفارابي طبيبا جرّاحا لكان بالإمكان أن نرى حديثه
عن هذه الأشياء , كما فعل ابن سينا , حيث قدم وصفا رائعا ودقيقا لتشريح
الحنجرة واللسان , يكاد يتطابق مع علم التشريح الحديث . ولعل الفارابي لم
يقدم شيئا من ذلك لأنه لم يكن مشرحا أو طبيبا أو حتى عالم أصوات , كما خص ابن
سينا ذلك في رسالة "أسباب حدوث الحروف " .
ثانيا
: تكلم الفارابي عن
القرع ولم يتكلم عن القلع وهو المقابل للقرع . ويقول ابن سينا في القلع :"
تبعيد جرم ما عن آخر مماس له , منطبق أحدهما على الآخر , تبعيدا ينقلع عن
مماسته انقلاعا عنيفا لسرعة حركة التبعيد , وهذا يتبعه صوت من غير أن يكون
هناك قرع .. (3)
ثالثا:
هناك بعض الأصوات ليس للسان دور في إنتاجها , وإنما تنتج من الهواء الموجود
في الفم أو في الحنجرة . ثم إن هناك أصواتا لا تنتج من قرع اللسان , وإنما
يكون انتاجها بواسطة الشفتين , فإغلاق الشفتين لحظة من الزمن ثم فتحهما
فجأة , يؤدي إلى حدوث صوت الباء (ب )
رابعا
: هناك بعض الأصوات ليس للقرع في إنتاجها أي
مشاركة , فهي تنسرح من الأوتار الصوتية دون اعتراض , كلي أو جزئي , فتخرج
طليقة دون قرع من السان , وهذه الأصوات هي
حركات المد الطويلة ...
---------------------
(3)
رسالة أسباب حدوث الحروف 57 0
الخـاتمة
وبعد هذه الصفحات القليلة , والعرض السريع , نجمل ما جاء فيها سابقا :
أولا : إن أبا نصر الفارابي أول من التفت إلى آلية
النطق من العلماء , فكان له فضل السبق , فلم يتحدث أحد قبله عن كيفية حدوث
الأصوات , بل كانوا يحومون حول وصف الأصوات وأحوال مجهورها ومهموسها
, ومواضع نطقها وما إلى ذلك ..
ثانيا : لم تكن الدراسات الصوتية واللهجية قسما
قائما في منهج الفارابي , وإنما جاءت الفقرة السابقة عارضة خلال حديثه عن
حدوث الألفاظ ...
لم يلتفت أحد من القدماء والمحدثين إلى دراسة ما جاء عن الفارابي وذلك
لعدم عثور العلماء على هذه الفقرة , لعدم تخصص الفارابي في هذا الشأن ..
كانت هناك التفاتات ذكية حرية بالتقدير والاحترام والنظر , ومقابل ذلك
كانت هناك بعض الهنات التي سها عنها .....
المراجع
1-
الأصوات اللغوية , د. إبراهيم أنيس , الطبعة
الخامسة , 1979 مكتبة الأنجلو / مصر .
2-
الأصوات ومخارج الحروف د. فؤاد حنا ترزي , مطبعة
دار الكتب 1962
3-
دراسة الصوت اللغوي , د. احمد مختار عمر , الطبعة
الأولى 1976 عالم الكتب – مصر .
4-
رسالة أسباب حدوث الحروف , الرئيس أبو علي ابن
سينا , تحقيق محمد حسان الطيان و يحيى ميرعلم , الطبعة الأولى 1983 مجمع اللغة
العربية – دمشق .
5-
سر صناعة الإعراب , أبو الفتح ابن جني , تحقيق د0
حسن الهنداوي , الطبعة الأولى 1985 , دار القلم – دمشق .
6-
علم اللغة العام / الأصوات , كمال محمد بشر ,
الطبعة السابعة 1980 دار المعارف –مصر
7-
كتاب الحروف , أبو نصر الفارابي , تحقيق د. محسن
مهدي , دار المشرق بيروت –لبنان 1970
والله ولي التوفيق
الباحث/خلدون مرعي حداد